الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي
55
حاشية المكاسب
فالأمر أوضح وخروجه عن المقام أبين فإنّ المتعبّدين الأخيار لا يعدمون من النّاس الصّلة والهدايا بل التكفّل لأمر معيشتهم ولكن حيث إنّ ذلك منهم بداعي العمل لا بإزائه لا يضرّهم ذلك إذا لم يعملوا العمل للتوصّل إلى تحصيل ذلك منهم وعلى هذا لا وجه لاعتبار الفقر بعد قيام الدّليل على أنّ المتصدّين لهذه الأعمال من جملة مصارف بيت المال في عرض الفقير إلَّا أن يمنع إطلاق الأدلَّة بما عدا مقدار الحاجة لكن الحاجة في المقام هو المئونة وما يحتاج إليه في المعيشة لا الحاجة بمعنى الفقر فتجتمع مع وجدان المعيشة قوله قدس سره بحرمة بيع المصحف المراد من الحرمة ما يعمّ الفساد دون مجرّد الحكم التّكليفي ومورد الأخبار المانعة هو البيع ويمكن جعلها كناية عن مطلق النواقل الاختياريّة بل إشارة إلى عدم قبوله للنّقل ولو بالأسباب الغير الاختياريّة كالإرث ثمّ الطَّاهر من حرمة بيع المصحف حرمة بيعه على سبيل بيع سائر الكتب بجعل المبيع جرم ما بين الدّفتين ويكون اعتبار الخط في المبيع على وجه اعتبار سائر الأوصاف يعني يكون التّقييد به داخلا في المبيع لا أن يكون المبيع هو الخط كما في المتن وفي قوله ع في موثّقة سماعة وإيّاك أن تشتري منه الورق وفيه القرآن مكتوب إشارة إلى ما ذكرناه وأيضا إشارة إلى أنّ نفس الورق لا بقيد الكتابة لا بأس ببيعه كما نطقت بذلك الرّوايتان الأخيرتان قوله قدس سره من جهة حكايته على المسلمين لا دلالة لحكايته عن المسلمين ولا لجواز الاستيجار على كتابته على جواز بيعه نعم قوله أشتري أحبّ إليّ من أن أبيعه صريح في جواز شرائه وكالصّريح في جواز بيعه والجمع بين هذه الأخبار والأخبار المانعة هو حمل الأخبار المانعة على الكراهة ولا يأبى عنه التّعبير بلفظ التحريم في بعض تلك الأخبار وأمّا دعوى سكوت هذه الأخبار عن كيفيّة البيع وعدم تعرّضها لها وتصريح تلك الأخبار بها وأنّه يباع ما عدا الخطَّ فلا منافاة بينهما فدعوى باردة فإنّ مورد السؤال في هذه الأخبار وتلك الأخبار واحد وهو بيع المصحف الَّذي قوام عنوانه بالخطَّ وهذا هو الَّذي كان يتوهّم المنع عنه ولعلّ الرّواة سمعوا المنع عنه فسألوا عن ذلك ولم يكن يتوهّم المنع في الورق حتى يسألوا عن ذلك مع أنّ قوله ع أشتريه أحبّ إليّ من أن أبيعه كالصّريح في أنّ المراد منه الورق مع الخطَّ وإلَّا فنفس الورق لا كراهة في بيعه والحاصل أنّ النّاظر في الأخبار يكاد يقطع بأنّ موضوع الجواز في أخبار الجواز هو بعينه موضوع المنع في أخبار المنع فلا سبيل في الجمع إلَّا من طريق الحكم بحمل أخبار المنع على الكراهة لا سيّما والسيرة العمليّة على بيع المصحف تعضد أخبار الجواز بل تكاد تلحقها بالقطعيّات لا سيّما وفي الأخبار إشارة إلى تقرير السيرة قوله قدس سره فإنّ النّقوش إن لم تعد من الأعيان المملوكة أقول أمّا النّقوش بمعنى هيئات الكتابة وأشكال الحروف المرسومة فهي غير معدودة من الأعيان المملوكة ولا يملكها أحد حتّى راسمها فهي غير قابلة للنّقل من شخص إلى شخص نعم هي من الصّفات الموجبة لزيادة قيمة المنقوش بل الموجبة لحصول عنوان في المنقوش له ماليّة كعنوان المصحف والكتاب وقد نهى الشّارع عن إدخالها في المبيع بأيّ وجه كان إمّا بإيقاع المعاملة على العنوان المتحصّل منها أو دخل التقيّد بها في المبيع وأمّا المعاملة على نفس تلك الهيئة فلا حاجة إلى النّهي عنها لما عرفت أن لا ماليّة لها ولا يعرض للبيع حتى ينهى عنه الشّارع وأمّا النقوش بمعنى الأجرام المنقوشة من حبر أو صبغ أو ماء ذهب فإمّا أن لا تكون لها مالية أيضا ولو لعدّها تالفة بالنقش فلا إشكال وإمّا أن تكون لها ماليّة وحينئذ نلتزم بجواز بيع جرم النقش بلا دخل هيئته ويكون حال الجرم هنا كحال الورق وأمّا المنع عن بيع النقش في الأخبار فيراد منه دخل النّقش بما هو نقش وذلك متقوّم بهيئته بحيث إذا ألغيت الهيئة وبيع نفس ماء الذّهب المنقوش خرج عن مصبّ المنع في الأخبار أو لا أقلّ من انصراف الأخبار إلى الغالب من عدم الماليّة للأجرام الصبغيّة فلا تشمل ما إذا كان النّقش بمثل ماء الذّهب من الأجرام المتموّلة بعد حصول النّقش قوله قدس سره وإن عدّت من الأعيان المملوكة قد ذكرنا أن ليس النّقش بما هو نقش من الأعيان المملوكة فإنّه هيئة الكلمات والحروف والهيئة لا ماليّة لها وإن كان بها قوام ماليّة المال وأمّا جرم ما حصل به النقش فلا بأس ببيعه مع كونه مالا كما إذا كان بماء الذّهب والأخبار منزّلة على الغالب من عدم الماليّة للجرم أو ناظرة إلى صورة دخل الهيئة في المبيع دون بيع نفس الجرم مستقلَّا أو منضمّا إلى المحلّ قوله قدس سره فهو البيع المنهيّ عنه البيع المنهيّ عنه هو النّقل الاختياريّ بجزء من الثّمن لا الانتقال والمعاوضة القهريّة نعم هو خلاف مقصود المتبايعين من جعل مجموع الثمن بإزاء ما عدا النّقش فوقوع جزء منه بإزاء النّقش والبقيّة بإزاء المنقوش خلاف مقصودهما نعم لو استفدنا من الأخبار عدم مقابلته بشيء في نظر الشّارع ولو قهرا بل عدم قبوله للنّقل كان الانتقال المذكور على خلاف الأخبار قوله قدس سره فهو خلاف مقصود المتبايعين بناء الانتقال التّبعي على أن يكون على خلاف مقصود المتبايعين وإلَّا لم يكن انتقالا تبعيّا بل أصليّا مقصودا بالأصالة قوله قدس سره وإن دخل فيه عرفا فتأمل قد عرفت أنّ الخطَّ بما هو خطَّ القائم عنوانه بهيئة النّقوش غير داخل في الملك ولا ماليّة له عرفا أيضا وإن كان بها قوام ماليّة المال وأمّا الجرم والأجزاء الصّبغيّة فهو يختلف فتارة يكون مالا مملوكا كما إذا كان النّقش بماء الذّهب وفي هذا نلتزم بجواز بيع الجرم ويكون حاله حال الورق وأخرى لا يكون مالا بل يعدّ تالفا بسبب النقش كما هو الغالب فيكون حال الجرم حال الهيئة في عدم كونه مملوكا نعم هو دخيل في زيادة قيمة الورق والنّهي في الأخبار أيضا ناظر إلى عدم رعاية هذا الدّخل في البيع وإلَّا فبيعه مستقلَّا مما لا يصدر من أحد بعد عدم الماليّة قوله قدس سره ولأجل ما ذكرناه التجأ بعض إلى الحكم بالكراهة هذا الالتجاء لا يجدي في رفع شيء من المحاذير المتقدّمة حيثما عمل على طبق هذا النّهي التّنزيهي وأوقع العقد على الجلد والورق فإنّ السّؤال المتقدّم يبقى متوجّها بالنّسبة إلى النّقوش وإنّه ينتقل بالتّبع أو لا ينتقل إلى آخر ما تقدّم نعم أثر النّهي التّنزيهي وميزه أنّه لو خالف هذا النّهي وباع المصحف كانت المعاملة صحيحة مؤثّرة بالنّسبة إلى النّقش قوله قدس سره على الوجه الذي يجوز بيعه من المسلم لا دليل على المنع على هذا الوجه أعني بيع الورق والجلد وأشباه ذلك والدّليلان اللَّذان استدلّ بهما إن تمّت دلالتهما فغاية ما يقتضيهما أن لا تنتقل الكتابة إلى الكافر على وجه كانت تنتقل إلى المسلم والفحوى بالنّسبة إلى الجلد والورق ممنوعة وإلَّا لزم خروج الورق عن ملكه فيما لو كتب أو استكتب هو للقرآن فالأحرى في عنوان المسألة أن يقال على القول بجواز بيع المصحف من المسلم هل يجوز بيعه من الكافر أو لا يجوز ثم يساق الكلام فيه والذي يظهر لي أنّ مجرّد ملك الكافر للمصحف لا يعدّ علوّا للكافر عليه ولا سبيلا له إليه ما لم يعط في تصرّفه بل وإن أعطي وإلَّا لم يملكه المسلم أيضا لأنّ علوّه أيضا على المصحف لا يجوز ولو تنزّلنا فالعلوّ منتزع من نفوذ التّصرف فيه نقلا وانتقالا فبالدّليلين فسلب هذه السّلطنة ويبقى أصل الملكيّة بمقتضى عموم أوفوا بحاله وهكذا لو كتب أو استكتب هو للقرآن في ورق مملوك له قوله قدس سره لعدم تحقّق الإهانة إذا تحقّقت الإهانة بالنّسبة إلى الكلّ تحقّقت بالنّسبة إلى الأبعاض أيضا وإذا تحقّقت بالنّسبة إلى المستقلّ تحقّقت بالنّسبة إلى غير المستقلّ أيضا بل إن تحقّقت الإهانة في البيع من الكافر تحقّقت في البيع من المسلم والحقّ عدم تحقّق الإهانة في شيء من الصّور والعمدة في مدرك المنع الأخبار المختصّة بالمصحف الظَّاهر في الكلّ مع كونه مستقلَّا نعم نقيضه جزء يسير لا يمنع من صدق الاسم وعليه فلا إشكال في بيع الكتب العلميّة المشتملة على الآيات القرآنيّة في خلالها قوله قدس سره دون المقرّ باللَّه المحرّم إن كان المائع هو العلوّ وفرض حصول العلوّ بالتملَّك